فصل: تفسير الآيات (49- 51):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: لباب التأويل في معاني التنزيل المشهور بـ «تفسير الخازن» (نسخة منقحة).



.تفسير الآيات (30- 33):

{إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (30) أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا (31) وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (32) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آَتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا (33)}
قوله عز وجل: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملاً} أي لا نترك أعمالهم الصالحة وقيل إن قوله إنا لا نضيع أجر من أحسن عملاً كلام معترض وتقديره إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات {أولئك لهم جنات عدن} أي دار إقامة سميت عدناً لخلود المؤمنين فيها {تجري من تحتهم الأنهار} وذلك لأن أفضل المساكن ما كان يجري فيه الماء {يحلون فيها من أساور من ذهب} قيل يحلى كل إنسان منهم ثلاثة أساور سوار من ذهب لهذه الآية وسوار من فضة لقوله تعالى: {وحلوا وأساور من فضة} وسوار من لؤلؤ لقوله: {ولؤلؤاً ولباسهم فيها حرير} {ويلبسون ثياباً خضراً من سندس} هو الديباج الرقيق {وإستبرق} هو الديباج الصفيق الغليظ وقيل السندس المنسوج بالذهب {متكئين} خص الاتكاء لأنه هيئة المتنعمين والملوك {فيها} أي في الجنة {على الأرائك} جمع أريكة وهي السرر في الحجال ولما وصف الله سبحانه وتعالى هذه الأشياء قال {نعم الثواب} أي نعم الجزاء {وحسنت} أي الجنات {مرتفقاً} أي مقراً ومجلساً، والمراد بقوله وحسنت مرتفقاً مقابلة ما تقدم ذكره من قوله سبحانه وتعالى وساءت مرتفقاً. قوله عز وجل: {واضرب لهم مثلاً رجلين} قيل نزلت في أخوين من أهل مكة من بين مخزوم وهما أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن عبد ياليل وكان مؤمناً وأخوه الأسود بن عبد الأسود وكان كافراً وقيل هذا مثل لعيينة بن حصن وأصحابه وسلمان وأصحابه وشبههما برجلين من بني إسرائيل أخوين أحدهما مؤمن واسمه قطروس وهما اللذان وصفهما الله سبحانه وتعالى في سورة الصافات وكانت قصتهما على ما ذكره عطاء الخراساني قال: كان رجلان شريكان لهما ثمانية آلاف دينار، وقيل كانا أخوين ورثا من أبيهما ثمانية آلاف دينار فاقتسماها فاشترى أحدهما أرضاً بألف دينار فقال صاحبه اللهم إن فلاناً قد شترى أرضاً بألف وإني قد اشتريت منك أرضاً في الجنة بألف دينار فتصدق بها، ثم إن صاحبه بنى داراً بألف دينار فقال اللهم إن فلاناً بنى داراً بألف دينار وإني اشتريت منك داراً في الجنة بألف دينار فتصدق بها، ثم تزوج صاحبه امرأة فأنفق عليها ألف دينار فقال اللهم إني أخطب إليك امرأة من نساء الجنة بألف دينار فتصدق بها، ثم اشترى خدماً ومتاعاً بألف دينار فقال اللهم إني اشتريت منك خدماً ومتاعاً بألف دينار في الجنة فتصدق بها، ثم أصابته حاجة شديدة فقال لو أتيت صاحبي لعل ينالني منه معروف فجلس على طريقه حتى مر به في خدمه وحشمه فقام إليه فنظر إليه صاحبه فعرفه فقال فلان، قال نعم قال ما شأنك قال أصابتني حاجة بعدك فأتيتك لتعينني بخير قال فما فعلت بمالك وقد قاسمتك مالاً وأخذت شطره، فنص عليه قصته فقال وإنك لمن المصدقين بهذا اذهب فلا أعطيك شيئاً فطرده، فقضي لهما فتوفيا فنزل فيهما قوله: {فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون قال قائل منهم إني كان لي قرين} وروي أنه لما أتاه أخذ بيده وجعل يطوف به ويريه أمواله فنزل فيهما {واضرب لهم مثلاً رجلين} {جعلنا لأحدهما جنتين} أي وجعلنا بساتين {من أعناب وحففناهما} أي أطفناهما من جوانبهما {بنخل وجعلنا بينهما زرعاً} أي بين النخل والأعناب الزرع وقيل بينهما أي بين الجنتين، يعني لم يكن بين الجنتين خراب بغير زرع {كلتا الجنتين آتت} أي أعطت كل واحدة من الجنتين {أكلها} أي ثمرها تماماً {ولم تظلم منه شيئاً} أي ولم تنقص منه شيئاً {وفجرنا خلالهما} شققنا وسطهما {نهراً}.

.تفسير الآيات (34- 44):

{وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا (34) وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (35) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (36) قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (37) لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (38) وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا (39) فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (40) أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (41) وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (42) وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا (43) هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا (44)}
{وكان له} أي لصاحب البستان {ثمر} قرئ بالفتح جمع ثمرة وقرئ بالضم وهو الأموال الكثيرة المثمرة من كل صنف من الذهب والفضة وغيرهما {فقال} يعني صاحب البستان {لصاحبه} يعني المؤمن {وهو يحاوره} أي يخاطبه {أنا أكثر منك مالاً وأعز نفراً} أي عشيرة ورهطاً وقيل خدماً وحشماً {ودخل جنته} يعني الكافر أخذاً بيد أخيه المؤمن يطوف به فيها ويريه إياها {وهو ظالم لنفسه} أي بكفره فتوهم أنها لا تفنى أبداً وأنكر البعث فقال {وما أظن الساعة قائمة} أي كائنة {ولئن رددت إلى ربي} فإن قلت كيف قال ولئن رددت إلى ربي وهو منكر للبعث قلت معناه ولئن رددت إلى ربي على ما نزعم من أن الساعة آتية {لأجدن خيراً منها منقلباً} أي يعطيني هناك خيراً منها لأنه لم يعطني الجنة في الدنيا إلا ليعطيني في الآخرة أفضل منها {قال له صاحبه} يعني المؤمن {وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب} أي خلق أصلك من تراب لأن خلق أصله سبب في خلقه فكان خلقاً له {ثم من نطفة ثم سواك رجلاً} أي عداك بشراً سوياً وكملك إنساناً ذكراً بالغ مبلغ الرجال {لكنا هو الله ربي} مجازه لكن أنا هو الله ربي {ولا أشرك بربي أحداً ولولا} أي هلا {إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله} والمعنى هلا قلت عند دخولها والنظر إلى ما رزقك الله منها ما شاء الله اعترافاً بأنها وكل خير فيها إنما حصل بمشيئة الله تعالى وفضله وأن أمرها بيده وأنه إن شاء تركها عامرة وإن شاء تركها خراباً {لا قوة إلا بالله} أي وقلت لا قوة إلا بالله إقراراً بأن ما قويت به على عمارتها وتدبير أمرها بمعونة الله وتأييده ولا أقدر على حفظ مالي ودفع شيء عنه إلا بالله. روي عن عروة بن الزبير أنه كان إذا رأى من ماله شيئاً يعجبه أو دخل حائطاً من حيطانه قال ما شاء الله لا قوة إلا بالله الحائط البستان {إن ترن أنا أقل منك مالاً وولداً} أي لأجل ذلك تكبرت علي وتعظمت {فعسى ربي} أي فلعل ربي {أن يؤتين} أي يعطيني {خيراً من جنتك} يعني في الآخرة {ويرسل عليها} أي على جنتك {حسباناً} قال ابن عباس: ناراً، وقيل مرامي {من السماء} وهي الصواعق فتهلكها {فتصبح صعيداً زلقاً} أي أرضاً جرداء ملساء لا نبات فيها وقيل تزلق فيها الأقدام وقيل رملاً هائلاً {أو يصبح ماؤها غوراً} غائراً ذاهباً لا تناله الأيدي ولا الدلاء {فلن تستطيع له طلباً} يعني إن طلبته لم تجده {وأحيط بثمره} يعني أحاط العذاب بثمر جنته وذلك أن الله تعالى أرسل عليها من السماء ناراً فأهلكها وغار ماؤها {فأصبح} يعني صاحبها الكافر {يقلب كفيه} يصفق بكف على كف ويقلب كفيه ظهراً لبطن تأسفاً وتلهفاً {على ما أنفق فيها} المعنى فأصبح يندم على ما أنفق في عمارتها {وهي خاوية على عروشها} أي ساقطة سقوفها وقيل إن كرومها المعرشة سقطت عروشها في الأرض {ويقول يا ليتني لم أشرك بربي أحداً} يعني أنه تذكر موعظة أخيه المؤمن فعلم أنه أتى من جهة شركه وطغيانه فتمنى لو لم يكن مشركاً {ولم تكن له فئة} أي جماعة {ينصرونه من دون الله} أي يمنعونه من عذاب الله {وما كان منتصراً} أي ممتنعاً لا يقدر على الانتصار لنفسه وقيل معناه لا يقدر على رد ما ذهب منه.
وقوله سبحانه وتعالى: {هنالك الولاية} قرئ بكسر الواو يعني السلطان في القيامة {لله الحق} وقرئ بفتحها من الموالاة والنصرة، يعني أنهم يتولونه يومئذٍ ويتبرؤون مما كانوا يعبد ون من دونه في الدنيا {هو خير ثواباً} أي أفضل جزاء لأهل طاعته لو كان غيره يثيب {وخير عقباً} يعني عاقبة طاعته خير من عاقبة طاعة غيره فهو خير إثابة وعاقبة.

.تفسير الآيات (45- 48):

{وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا (45) الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا (46) وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (47) وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا (48)}
قوله عز وجل: {واضرب لهم} أي اضرب يا محمد لقومك {مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء} يعني المطر {فاختلط به نبات الأرض} أي خرج منه كل لون وزهرة {فأصبح} أي عن قريب {هشيماً} قال ابن عباس: يابساً {تذروه الرياح} قال ابن عباس: تذريه تفرقه وتنسفه {وكان الله على كل شيء مقتدراً} أي قادراً قوله سبحانه وتعالى: {المال والبنون} يعني التي يفتخر بها عيينة وأصحابه الأغنياء {زينة الحياة الدنيا} يعني ليست من زاد الآخرة، قال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: المال والبنون حرث الدنيا والأعمال الصالحة حرث الآخرة وقد يجمعهما لأقوام {والباقيات الصالحات} قال ابن عباس: هي قول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر.
(م) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لأن أقول سبحان الله والحمد الله ولا إله إلا الله والله أكبر أحب إلى مما طلعت الشمس» عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه عن رسول الله صلى الله علي وسلم أنه قال: «استكثروا من قول الباقيات الصالحات. قيل: وما هن يا رسول الله؟ قال: التكبير والتهليل والتسبيح والحمد لله ولا حول ولا قوة إلا بالله» عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا مررتم برياض الجنة فارتفعوا. قلت: يا رسول الله وما رياض الجنة؟ قال: المساجد. قلت: وما الرتع؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر» أخرجه الترمذي. وقال حديث غريب عن سعيد بن المسيب أن الباقيات الصالحات هي قول العبد الله أكبر وسبحان الله ولا إله إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله أخرجه مالك في الموطأ موقوفاً عليه وعن ابن عباس أن الباقيات الصالحات الصلوات الخمس وعنه أنها الأعمال الصالحة {خير عند ربك ثواباً} أي جزاء {وخير أملاً} أي ما يؤمله الإنسان. قوله سبحانه وتعالى: {ويوم نسير الجبال} أي نذهب بها وذلك أن تجعل هباء منثوراً كما يسير السحاب {وترى الأرض بارزة} أي ظاهرة ليس عليها شجر ولا جبل ولا بناء وقيل هو بروز ما في بطنها من الموتى وغيرهم فيصير باطن الأرض ظاهرها {وحشرناهم} يعني جميعاً إلى موقف الحساب {فلم نغادر منهم أحداً} أي لم نترك منهم أحداً {وعرضوا على ربك صفاً} أي صفاً صفاً وفوجاً فوجاً لأنهم صف واحد وقيل قياماً كل أمة وزمرة صف ثم يقال لهم {لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة} يعني أحياء وقيل حفاة عراة غرلاً {بل زعمتم أن لن نجعل لكم موعداً} يعني القيامة يقول ذلك لمنكر البعث.
(ق) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بموعظة فقال: «أيها الناس إنكم تحشرون إلى الله حفاة عراة غرلاً كما بدأنا أول خلق نعيده وعداً علينا إنا كنا فاعلين إلا إن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم عليه السلام ألا وإنه سيجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول يا رب أصحابي، فيقول إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول كما قال العبد الصالح وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم إلى قوله العزيز الحكيم قال: فيقال لي إنهم لن يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم. زاد في رواية فأقول سحقاً سحقاً» قوله غرلاً أي قلفاً والغرلة القلفة التي تقع من جلد الذكر وهو موضع الختان، وقوله سحقاً أي بعداً، قال بعض العلماء: إن المراد بهؤلاء أصحاب الردة الذين ارتدوا من العرب ومنعوا الزكاة بعد.
(ق) عن عائشة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يحشر الناس حفاة عراة غرلاً. قالت عائشة: فقلت الرجال والنساء جميعاً ينظر بعضهم إلى بعض قال: الأمر أشد من أن يهمهم ذلك» زاد النسائي في رواية {لكل امرئ يومئذٍ شأن يغنيه}.

.تفسير الآيات (49- 51):

{وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (49) وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (50) مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا (51)}
قوله عز وجل: {ووضع الكتاب} يعني صحائف أعمال العباد توضع في أيدي الناس في أيمانهم وشمائلهم، وقيل توضع بين يدي الله تعالى {فترى المجرمين مشفقين} أي خائفين {مما فيه} يعني من الأعمال السيئة {ويقولون} يعني إذا رأوها {يا وليتنا} أي يا هلاكنا وكل من وقع في هلكة دعا بالويل {مال هذا الكتاب لا يغادر} أي لا يترك {صغيرة ولا كبيرة} إي من ذنوبنا الصغيرة {إلا أحصاها} أي عدها وكتبها وأثبتها فيه وحفظها، قال ابن عباس: الصغيرة التبسم والكبيرة القهقهة. وقال سعيد بن جبير: الصغيرة اللمم واللمس والقبلة والكبيرة الزنا عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إياكم ومحقرات الذنوب فإنما مثل محقرات الذنوب مثل قوم نزلوا في بطن واد فجاء هذا بعود وجاء هذا بعود فانضجوا خبزهم وإن محقرات الذنوب لموبقات» الحقير الشيء الصغير التافه وقوله لموبقات أي مهلكات. {ووجدوا ما عملوا حاضراً} أي مكتوباً أي مثبتاً في كتابهم {ولا يظلم ربك أحداً} أي لا ينقص ثواب أحد عمل خيراً ولا يؤاخذ أحداً بجرم لم يعمله عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه سلم: «يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات فأما عرضتان فجدال ومعاذير وأما العرضة الثالثة فعند ذلك تطير الصحف في الأيدي فآخذ بيمينه وآخذ بشماله» أخرجه الترمذي. وقال لا يصح هذا الحديث من قبل أن الحسن لم يسمع من أبي هريرة وقد رواه بعضهم عن الحسن عن أبي موسى. قوله سبحانه وتعالى: {وإذ قلنا} أي واذكر يا محمد إذ قلنا {للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن} قال ابن عباس: كان من حي من الملائكة يقال لهم الجن، خلقوا من نار السموم وقال الحسن: كان من الجن ولم يكن من الملائكة فهو أصل الجن، كما أن آدم أصل الإنس وكونه من الملائكة لا ينافي كونه من الجن بدليل قوله سبحانه تعالى وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً، وذلك أن قريشاً قالت الملائكة بنات الله، فهذا يدل على أن الملك يسمى جناً ويعضده اللغة لأن الجن مأخوذ من الاجتنان، وهو الستر فعلى هذا تدخل الملائكة فيه فكل الملائكة جن لاستتارهم وليس كل جن ملائكة، ووجه كونه من الملائكة أن الله سبحانه وتعالى استثناه من الملائكة والاستثناء يفيد إخراج ما لولاه لدخل ويصح دخوله وذلك يوجب كونه من الملائكة ووجه من قال إنه كان من الجن ولم يكن من الملائكة قوله كان من الجن والجن جنس مخالف للملائكة قوله أفتتخذونه وذريته فأثبت له ذرية والملائكة لا ذرية لهم، وأجيب عن الاستثناء أنه استثناء منقطع وهو مشهور في كلام العرب قال الله سبحانه وتعالى: {وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبد ون إلا الذي فطرني} وقال تعالى: {لا يسمعون فيها لغواً إلا سلاماً} قيل إنه كان من الملائكة فلما خالف الأمر مسخ وغير وطرد ولعن. وقوله تعالى: {ففسق عن أمر ربه} أي خرج عن طاعة ربه {أفتتخذونه} يعني يا بني آدم أفتتخذون إبليس {وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو} يعني أعداء روي مجاهد عن الشعبي قال: إني لقاعد يوماً إذ أقبل رجل فقال أخبرني هل لإبليس زوجة قلت إن ذلك العرس ما شهدته ثم ذكرت قول الله عز وجل: {أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني} فعلمت أنه لا تكون ذرية إلا من زوجة فقلت نعم، قيل يتوالدون كما يتوالد ابن آدم. وقيل إنه يدخل ذنبه في دبره فيبيض فتنفلق البيضة عن جماعة من الشياطين. قال مجاهد: من ذرية إبليس لا قيس وولها وهو صاحب الطهارة والصلاة والهفاف ومره وبه يكنى، وزلنبور وهو صاحب الأسواق يزين اللغو والحلف الكاذب ومدح السلع وبتر وهو صاحب المصائب يزين خمش الوجوه ولطم الخدود وشق الجيوب، والأعور وهو صاحب الزنا ينفخ في إحليل ا لرجل وعجيزة المرأة، ومطموس وهو صاحب الأخبار الكاذبة يلقيها في أفواه الناس لا يجدون لها أصلاً، وداسم وهو الذي إذا دخل الرجل بيته ولم يسلم ولم يذكر الله بصره من المتاع ما لم يرفع أو يحسن موضعه وإذا أكل ولم يسم أكل معه، قال الأعمش: ربما دخلت البيت ولم أذكر أسم الله ولم أسلم فرأيت مطهرة فقلت ارفعوا هذه وخاصمتهم ثم أذكر فأقول داسم داسم أعوذ بالله منه، روى أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن للوضوء شيطاناً يقال له الولهان فاتقوا وسواس الماء» أخرجه الترمذي.
(م) عن عثمان بن أبي العاص قال: قلت يا رسول الله إن الشيطان قد حال بين وبين صلاتي وبين قراءتي يلبسها علي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ذلك شيطان يقال له خنزب، فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه واتفل على يسارك ثلاثاً» قال ففعلت ذلك فأذهبه الله عني.
(م) عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن إبليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة يجيء أحدهم فيقول فعلت كذا وكذا فيقول ما صنعت شيئاً ثم يجيء أحدهم فيقول ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته قال فيدنيه منه ويقول نعم أنت» قال الأعمش أراه قال فليتزمه. وقوله: {بئس للظالمين بدلاً} يعني بئس ما استبدلوا طاعة إبليس وذريته بعبادة ربهم وطاعته. قوله سبحانه وتعالى: {ما أشهدتهم} أي ما أحضرتهم يعني إبليس وذريته وقيل الكفار وقيل الملائكة {خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم} والمعنى ما أشهدتهم خلقها فأستعين بهم على خلقها وأشاورهم فيها {وما كنت متخذ المضلين} يعني الشياطين الذين يضلون الناس {عضداً} يعني أنصاراً وأعواناً.